
12-28-2025 08:35 PM عرعر اليوم :
"ثقافة التغيير وإعادة هندسة منظومة التعليم"
لم يعد الحديث حول التعليم ترفاً فكرياً أو قضية هامشية؛ بل بات من أخطر القضايا وأكثرها إلحاحاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر؛ إذ تتعاظم الحاجة إلى العلم والمعرفة والمعلومات بوصفها أدوات البقاء والتقدم، والبشرية اليوم تقف أمام تحديات غير مسبوقة، في الوقت الذي تلوح في أفقها فرص نوعية لم تكن متاحة في أي مرحلة سابقة؛ الأمر الذي استدعى تصاعد الدعوات إلى إحداث تحولات جذرية في نماذج التنمية والتطوير، وفي مقدمتها التعليم بوصفه الشرط الموضوعي للتغيير وأساسه البنيوي.
ولا خلاف بين الباحثين وصناع القرار على أن التعليم يمثل المحرك الرئيس لنهضة المجتمعات، وهو بمنزلة “الدينمو” الذي يدفع عجلة التنمية الشاملة، لا سيما مع وجود إرادة حقيقية لدى صناع القرار، فصوت العلم يعلو في المجتمع، أو يخبو، تبعاً لهذه الإرادة.
ومهما تعددت الرؤى، يبقى التعليم الركيزة الأبرز في بناء الأمم، وهو المنطلق الحقيقي للآمال الكبرى والمخرج الأوسع لإصلاح المجتمعات، فالتعليم يقف دوماً أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يكون أساس الداء، أو يكون الدواء وطوق النجاة في إحداث التغيير والتطوير المنشودين.
ولا يجادل عاقل في محورية التعليم في صناعة الإنسان وتشكيل وعيه، فالقيمة الحضارية للفرد هي نتاج ما يملكه من علم ومعرفة، كما أن مستوى تحضر المجتمعات لا يقاس إلا بمدى تراكم المعارف والمهارات لدى أبنائها، وهي حصيلة مباشرة لفاعلية النظم التعليمية وجودتها.
ورغم ما يكتنف عمليات التغيير من صعوبات ومعوقات، فإن الإرادة الخلّاقة لدى القيادات القادرة على اتخاذ القرار تظل عاملاً حاسماً في تذليل تلك التحديات وتحويلها إلى فرص للنمو والتجديد، غير أن إعادة هندسة أسس التعليم ومناهجه وأساليبه تمثل تحدياً مركباً؛ لأنها لا تتصل بالبنية المؤسسية فحسب؛ بل تمتد إلى منظومة القيم والمعتقدات والثقافة المجتمعية، بدءاً بالفرد والأسرة، مروراً بالمدرسة، وانتهاءً بالجامعة ومؤسسات التعليم العالي.
وفي هذا السياق، ثمة متحولات، وثوابت في آن معاً، منها ما هو ظاهر، ومنها الخفي، ما يستلزم فتح حوارات علمية معمقة تشارك فيها جميع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة، فالحوار المؤسسي الرصين يمثل البيئة الصحية التي لا بد أن تنطلق منها مسيرة التغيير بجدية ومن دون إبطاء، بما يضمن دمج مختلف الفاعلين في الرؤية الوطنية الشاملة للمملكة العربية السعودية (2030)، التي تشكل إطاراً خلاقاً لإعادة بناء الحياة المعاصرة، وخاصة في مجالات التعليم والإبداع والابتكار.
إن الإبداع في التعليم، والعمل على تطوير بنيته المعرفية والمنهجية، يمثل المنطلق الأساس للإبداع في سائر مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ ذلك أن التعليم ليس مجرد ناقل للمعرفة؛ بل هو حامل التغيير وأداة الانتقال بالمجتمع إلى مستويات أكثر تقدماً ورقياً.
ومن رحم الجامعة يتخرج المثقف والباحث والفيلسوف، كما يتخرج المهني المؤهل والمعلم والطبيب والمهندس، ليشكل هؤلاء مجتمعين الكتلة الحرجة القادرة على قيادة التحول وصناعة المستقبل، ومن هنا تتجلى أهمية المبادرات الإبداعية التي أطلقتها بعض الجامعات في المملكة، الهادفة إلى تعزيز أسس التفكير النقدي والإبداعي في الفضاء التعليمي، ومن ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – إدراج مقررات تطبيقية لتصنع المعرفة المتقدمة، وتشكل العقل الواعي .
إن طرح مثل هذه الرؤى والمبادرات لا يمثل قيمة معرفية فحسب؛ بل يسهم في رسم مسارات جديدة للإبداع، ويدفع بالواقع التعليمي نحو تحقيق أهدافه الإستراتيجية، ويكتمل البناء التعليمي عندما تتكامل قيمة المحتوى العلمي مع كفاءة المرسل؛ إذ تتعاظم مكانة الأستاذ الجامعي مع إدخال مقررات نوعية جديدة، فتشكل مهاراته التربوية والفكرية حجر الأساس في إيصال المعرفة، وترسيخ القناعات، وبناء الإيمان بقيمة التفكير المنهجي لدى المتعلم.
وتؤكد الاتجاهات التربوية الحديثة أن الأستاذ الجامعي لم يعد محور العملية التعليمية الوحيد؛ بل أصبح شريكاً فيها، في حين يغدو المتعلم المنتج الحقيقي للمعرفة، والقوة الدافعة للتنمية والتطوير. فالمتعلم الواعي، المتمكن من مهارات التفكير والتحليل والنقد، هو الحامل الفعلي لثقافة التغيير، وهو الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن هذه الرؤية تنسجم بعمق مع توجهات رؤية المملكة (2030)، التي تراهن على الإنسان بوصفه رأس المال الأول، وعلى التعليم بوصفه المدخل الإستراتيجي لبناء مستقبل أكثر إشراقاً.
والله ولي التوفيق.
أ.د. فرتاج الزوين 1
خدمات المحتوى
التعليقات #62393 [أ.أ] 01-02-2026 07:24 PM توقفت كثيرا عند مقال الأستاذ الدكتور فرتاج - ثقافة التغيير وإعادة هندسة منظومة التعليم- لما يحمله من طرح لقضيه تربوية وتعليمية مهمه في ميادين التعليم و المعرفة اذ تحدث الدكتور عن التحديات و الفرص النوعية غير المسبوقة وكون المتعلم منتج للمعرفة مما يوجب إعادة هندسة منظومة التعليم لتحقيق اقصى أستفاده وهذا يفتح الباب أمام سؤال مهم تفرضه معطيات الواقع الراهن، يتمثل في: كيف يمكن إعادة هندسة منظومة التعليم في عصر بات فيه الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في إنتاج المعرفة وتداولها؟
كون الذكاء الاصطناعي احدى اجمل الفرص النوعية الغير مسبوقة الا انه في الوقت ذاته من أخطر هذه الفرص فقد تفرض علينا هذه الفرص بعض اكبر التحديات الأخلاقية بالاستخدام الخاطئ لذكاء الاصطناعي بالاعتماد عليه ف عمليات التفكير والتوليد الالي المفرط مما يلغي دور المتعلم كمنتج للمعرفة مما يوجب التركيز عن أعادة هندسة منظومة التعليم تصميم نماذج للاستخدام الفعال للفرص النوعية ومنها الذكاء الاصطناعي كونه شريك تطويري لعمليات التفكير والانتاج المعرفي وليس استبدال واعتماديه للمعملية التعليمية.
لذا نجد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر أدوات الذكاء الاصطناعي، بل في بناء وعي تربوي قادر على توجيه استخدامها بطريقة تنموية فعالة .
| تقييم
|